القاضي عبد الجبار الهمذاني
268
تثبيت دلائل النبوة
ضمائرهم ، وشهد لهم بالصدق ، ثم ذكر الأنصار وقال : « وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا ، وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ ، وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ » « 1 » ، لأن الأنصار كانوا بالمدينة قبل المهاجرين ، فلما جاءهم المهاجرون أحباب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم آثروهم على أنفسهم بمنازلهم ، وشاطروهم أموالهم بطيب من أنفسهم ، فشهد لهم بالفلاح ، وفرض على من جاء من بعدهم مولاتهم والاستغفار لهم فقال : « والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربّنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم » ، وأمرهم بالتعوذ من بغضهم وعداوتهم ، فهؤلاء الذين قاموا بدين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بعده ، وهم الذين اختاروا أبا بكر ، والقرآن مملوء بمدحهم والثناء عليهم ، وأنت تحفظه ؛ فارجع إلى ما في سورة بعد سورة من ذلك وتدبره ، فذكر جميعه يطول ولا يحتمله / هذا الموضع . فهم لما بايعوا أبا بكر سكنت نفوسهم ، وباتوا وكأن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لم يمت ولم يفقد من بينهم ، فهذا الذي قصدوا بالبدار ، وهم كانوا اعلم بما يباشرونه ويقولونه ، وقد علموا انهم قد وتروا الأمم كلها في طاعة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ؛ فقد خلفهم ولا أمير عليهم ، فخافوا ان يبيتوا وقد فقدوا نبيهم وليس عليهم أمير فينشر امرهم ، فلشدة اهتمام هؤلاء بحراسة الاسلام بادروا إلى من يعقدون له ، وإنما ذكرت لك هذا لتعرف الحال فإن من لا يعلم ومن همه الطعن في الاسلام يدعي عليهم انهم إنما فعلوا ذلك حبا للدنيا ولسرورهم بموت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، ولاغتباطهم بالراحة .
--> ( 1 ) الحشر 9